هل تنبَّأ المتنبي؟

الكاتب: عباس محمود العقاد

 

سأل ابن القارح أبا العلاء عن حقيقة ما يُنسب إلى المتنبي من ادعاء النبوة فقال في رده الذي ألحقه برسالة الغفران: «حدثت أنه كان إذا سُئل عن حقيقة هذا اللقب قال هو من النبوة؛ أي: المرتفع من الأرض، وكان قد طمع في شيء قد طمع فيه من هو دونه، وإنما هي مقادير يظفر بها من وُفق ولا يراع بالمجتهد أن يخفق، وقد دلت أشياء في ديوانه أنه كان متألهًا، وإذا رجع إلى الحقائق فنطق اللسان لا ينبئ عن اعتقاد الإنسان؛ لأن العالم مجبول على الكذب والنفاق، ويحتمل أن يظهر الرجل بالقول تدينًا، وإنما يريد أن يصل إلى ثناء أو غرض، ولعله قد ذهب جماعة هم في الظاهر متعبدون وفيما بطن ملحدون».

فأبو العلاء يقف موقف الشاك المتردد في قبول ما نُسب إلى أبي الطيب من دعوى النبوءة، ولم يكن بين أبي العلاء وأبي الطيب غير فترة قصيرة من الوقت؛ إذ كان قُتل هذا قبل مولد ذاك بنحو تسع سنوات، فهو أحق أن يتثبت من صدق الخبر لو كان إلى التثبت منه من سبيل، وإذا كان هذا الحافظ الثقة على علمه بأخبار المتنبئ وإعجابه به وقربه منه وقلة تهيبه لدعوى النبوءة يشك ويتردد، فغاية جهد التاريخ والآداب أن يقفا هذا الموقف، وأن لا يجزما برأي في أمر هذه القصة التي رواها عن المتنبي جماعة من معاصريه أكثرهم من خصومه وحساده الحانقين عليه، أو من ملفقي الأحاديث الذين ينقض بعض كلامهم بعضًا فلا يؤخذ مأخذ اليقين؛ إذ لم يثبت من إرهاصات هذه النبوءة التي وسم بها الرجل شيء غير أنه حبس في صباه، وأنه كان يهجى بها في عصره، وليس كل ما يقرف به المهجو المحسود بحجة عليه.

غير أني والحق يُقال لا أستبعد دعوى النبوة على المتنبي ولا أجدها غريبة منه، ولو أنها ثبتت عليه لما رأيت في ذلك ما يدعو إلى شيء من دهشة أو غرابة، ويحمل على شيء من حيطة أو زيادة تنقيب، والمتنبي في هذه القضية من المتهمين الذين يكفي لتسجيل التهمة عليهم أن يسمع القاضي شاهدًا أو شاهدين ثم يصرف بقية الشهود اكتفاءً بما سمع واختصارًا للوقت، فالتهمة لاصقة لافقة، ولئن كانت باطلة لا أساس لها ولا نار لدخانها ليكونن الذي رماه بها من شياطين المفترين الذين يعرفون كيف يتخيرون التهم لأربابها، ويحوكون الأقاويل على قدر لابسيها، وما كان هؤلاء قليلين في ذلك العصر المضطرب الخبيث الذي صار فيه نشر الدعوة فنًّا، والتقول على الخصوم سلاحًا مدربًا.

ولست أظن في المتنبي هذا الظن؛ لأنه «قد طمع في شيء قد طمع فيه من هو دونه» كما قال المعري، ولا لأنه لا فرق بينه وبين من تقدمه في هذا الأمر غير أنهم وفقوا وأخطأه التوفيق، ووصلوا وعثر هو في وسط الطريق كما يؤخذ من تلك الإشارة التي زج بها المعري في أثناء رده، ولكني ظننت ذلك الظن؛ لأن نشأة المتنبي وحالة عصره وشعره وجملة ترجمته كلها مما يوسع العذر للمشتبه ويوائم مقتضيات الدعوى التي نُسبت إليه، وإليك بيان ذلك.

نشأ المتنبي بالكوفة وهي يومئذ مقر الشيعة ومباءة الشاغبين على خلفاء بني العباس من أولاد علي وغيرهم من دعاة النحل وطلاب المغانم، وكانت في تلك الأيام التي ولد فيها المتنبي لا تقر على قرار ولا تنقطع منها الفتن، ولا سيما من شيعة القرامطة، فظهر حولها شأنهم، وعظمت شوكتهم، وملكوا البحرين، وغزوا البصرة، وقطعوا طريق الحج أعوامًا، ولما كان المتنبي في نحو الثانية عشرة من عمره غزوا الكوفة ودخلوها وأسروا قائد الخليفة المقتدر وشتتوا جيشه، ولم تمض سنتان على ذلك حتى أغاروا على مكة ونقلوا منها الحجر الأسود إلى هجر، وألقوا جثث القتلى في بئر زمزم.

وهؤلاء القرامطة قوم كانوا يعلنون الإسلام، ويدعى عليهم أنهم كانوا يعتقدون أن روح الله وأرواح أنبيائه تحل في أئمتهم وصلحائهم، وحكى عنهم المعري في رسالة الغفران نقلًا عن بعض محدثيه أن لهم بالإحساء بيتًا يزعمون أن إمامهم يخرج منه ويقيمون على باب البيت فرسًا بسرج ولجام ويقولون للهمج الطغام: «هذا الفرس لركاب المهدي يركبه متى ظهر»، وإنما غرضهم بذلك خدع وتعليل وتوصل إلى المملكة وتضليل، ومن أعجب ما سمعت أن بعض رؤساء القرامطة في الدهر القديم لما حضرته المنية جمع أصحابه وجعل يقول لهم لما أحس الموت: «إني قد عزمت على النقلة وقد كنت بعثت موسى وعيسى ومحمدًا ولا بد لي أن أبعث غير هؤلاء».

ولا بد أن المتنبي قد سأل عن أصل هذه النحلة فأُخبر بمنشئها وعرف كيف بدأت، وكيف استطاع رجل مثل «كارميتة» الذي تنسب إليه ـ على جهله وقصور عقله ـ أن يجمع إليه أولئك الطغام، وأن يحدث في دولة الإسلام هذه الأحداث الجسام، ولا شك أن ذلك مما يهون عليه دعوى النبوة إذا حدثته نفسه بهذا المطمع. فإذا صح أنه جهر بهذه الدعوة وأنه مع هذا كان ينتسب إلى علي رضي الله عنه فلا تناقض في الأمر، فربما ادعى أنه الإمام الذي ينتظره القرامطة، وطائفة من الشيعة الإمامية، وتحل روح الله وأرواح أنبيائه فيه.

واختلطت في ذلك العصر دعوة الإسماعيلية بدعوة القرامطة، وكان يزعم الزاعمون أن هؤلاء الإسماعيلية يدينون بالمانوية؛ أي: بالأصلين النور والظلمة، وهي النحلة القديمة المشهورة التي ذكرها المتنبي في شعره، ولعله لقي كثيرًا من أتباعها من المجوس في الكوفة لقربها من البلاد الفارسية.

وتعددت في ذلك الحين الدول السياسية في العراق والشام ومصر والمغرب، وما منها إلا من تتلمس لها سندًا من الدين في بث دعوتها وإدحاض حجة خصومها؛ فكثرت الحيل الدينية وشاعت الدسائس والأراجيف، وتجاذب الناس آيات الكتاب وأحاديث النبي كلٌّ يفسرها بما يمليه عليه الهوى ويوافق الحاجة؛ فيخرجها عن حقيقة معناها ويجعلها وسائل لغايات غير غاياتها، فانظر إلى هذه البيئة التي فشا ضلالها، وترادفت فتنها، وسقطت هيبة الدين فيها ألستَ تراها صالحة لاختمار المطامع وظهور الأدعياء وتربية الخوارج في الدين والسياسة؟

أضف إلى ذلك أن المتنبي لم يكن يصلي ولا يصوم ولا يقرأ القرآن ولا يؤدي زكاة بعد أن أثرى، ولم يكن متورعًا وثيق الإيمان بطبيعة مزاجه؛ لأنه صاحب مطامع دنيوية وعقل موكل بالأعمال والوقائع، لا بالعقائد والعادات؛ تعرف ذلك من لهجه في شعره بالحكمة العملية، ومن قلة توقيره للأنبياء، وخفة أسمائهم على لسانه، حتى كان يقرن نفسه بهم كما قال في إحدى قصائده:

ما مقامي بأرض نخلة إلا

كمقام المسيح بين اليهود

وكما قال في القصيدة نفسها:

أنا في أمة تداركها الله

غريب كصالح في ثمود

وليلاحظ أن أرض نخلة التي ذكرها في القصيدة هي قرية لبني كلب الذي يقال: إن المتنبي ادعى النبوة فيهم، ومن قلة توقيره لحرمة الدين وخفة ذكر الأنبياء على لسانه أن يقول كما قال في مدح سيف الدولة:

إن كان مثلك كان أو هو كائن

فبرئت حينذ من الإسلام

أو كما قال في ابن زريق الطرسوسي:

لو كان ذو القرنين أعمل رأيه

لما أتى الظلمات صرن شموسا

أو كان صادف رأس عازر رأسه

في يوم معركة لأعيى عيسى

أو كان لج البحر مثل يمينه

ما انشق حتى جاز فيه موسى

أو كما قال في بدر بن عمار:

لو كان لفظك فيهم ما أنزل الفر

قان والتوراة والإنجيلا

فلو كان يستشعر قلبه للدين رهبة، ولمقام الأنبياء حرمة لما جرى لسانه بهذا الغلو الشنيع الذي لا يسوغه دين ولا عقل ولا خيال صحيح.

ثم أضف إلى هذا وذاك أنه نظر في كتب الفلاسفة، واستعرض بعض آرائهم وشكوكهم كما يفهم من كثرة ما اقتبس من معاني أرسطو ومن تردد عبارات الفلاسفة وأساليب المناطقة في شعره؛ وكفى دليلًا على شيوع الاطلاع على الفلسفة اليونانية في عصره أنه عصر الفارابي الذي لقب بالمعلم الثاني لكثرة ما لخص وشرح من كتب أرسطو وأفلاطون وغيرهما، فعلق بنفس المتنبي من هذه الفلسفة أثر واعتراه الشك وظهر ذلك في بعض شعره؛ فلا يسلم من الشك قوله في النفس:

وقيل تخلص نفس المرء سالمة

وقيل تشرك جسم المرء في العطب

ومن تفكر في الدنيا ومهجته

أقامه الفكر بين العجز والتعب

أو قوله يهجو كافورًا:

ألا فتى يورد الهندي هامته

كيما تزول شكوك الناس والتهم

فإنه حجة يؤذي القلوب بها

من دينه الدهر والتعطيل والقدم

وهذا المعنى منظور فيه بلا ريب إلى قول ابن الرومي في أبي الصقر:

لا بوركت نعمى تسربلها

كم حجة فيها لزنديق

إلا أن ذلك لا ينفي أن الرجل اطلع على ما ينتحله الدهرية والمعطلون وأهل الزندقة، فزاد هذا الاطلاع في البعد بينه، وبين خشوع اليقين وهيبة الدين. ولا ننس غيظ المتنبي ممن كان يذكر له دعوة النبوة وسكوته عن الخوض في هذا الحديث ورغبته في دفن الخبر ونسيانه، فربما كان ذلك كأقوى ما تقدم في تعزيز الشبهة عليه.

فعلى هذا لا يكون غريبًا من رجل نشأ هذه النشأة في ذلك العصر على هذا الخلق، واطلع على ما اطلع عليه المتنبي، وشاهد من حوادث الأيام ما شاهده أن يطمع في المجد من طريق الدين، ذلك ليس بغريب ولكن هل حصل؟ وهل فعل الرجل ذلك الشيء الذي لا يُستغرب منه، فادعى النبوة وجهر بالدعوة؟.

أما هذا فلا سبيل إلى البت فيه برأي قاطع كما أسلفنا في صدر المقال، ولكننا بين قولين أرجحهما أنه فعل وادعى والمرجوح منهما أن الرجل نبز بهذا النبز؛ ولكن لا من النبوة كما روى المعري في رسالة الغفران، فهذا غير معقول وإنما الأقرب إلى العقل أنه نبز به لتشبهه بالأنبياء كما مر بك، وكثيرًا ما أطلق العرب الأنباز والألقاب لأهون من هذه الأسباب، على أني أرجح القول الأول ترجيحًا قويًّا حتى أكاد أرفض الاحتمال الثاني لأول نظرة، فقد ثبت أن الرجل حبس، فإذا كان حبسه في فتنة أثارها فقد بقي على الذين يجزمون ببراءته من دعوى النبوة أن يبينوا لنا كيف أطاعه بنو كلب، وكيف استطاع هو أن يحركهم إلى الفتنة بغير الشعوذة والحيلة الدينية؟ أكان من زعمائهم أم كان من ذوي الكلمة المسموعة في قبائل العرب جميعًا؟ أم كان بنو كلب عميًا عن الفتنة حتى جاء المتنبي الطارق الغريب فهداهم إليها؟

 

(*) نُشر في جريدة البلاغ في ٤ ديسمبر سنة ١٩٢٣.

 

Random Reads - قراءات عشوائية
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع Random Reads - قراءات عشوائية .

جديد قسم : مختارات

إرسال تعليق