بعض ما يتصف به المثقفون (*)
الكاتب: أنطون تشيخوف
ترجمة: محمد بدران

طالما شكوت إليَّ من أن الناس "لا يفهمونك". إن جوت ونيوتن لم يشكوا من ذلك... ولم تصدر هذه الشكوى إلا من المسيح، ولكنه في شكواه كان يتحدث عن عقيدته لا عن نفسه... إن الناس يفهمونك حق الفهم، وإذا كنت أنت لم تفهم نفسك، فليسوا هم الملومين.

وأؤكد لك، تأكيد الأخ والصديق، أني أفهمك وأعطف عليك من كل قلبي، وأعرف فضائلك كما أعرف أصابع يدي، وأقدِّرها وأجلُّها أعظم إجلال. وإذا شئت أن أبرهن لك على أني أفهمك، فإن في وسعي أن أعدد لك تلك الصفات.
إني أظن أنك رقيق القلب إلى حد الضعف، وأنك نبيل بعيد كل البعد عن الأَثَرَة، لا تتردد في أن تقتسم مع غيرك آخر درهم معك، لا تحسد الناس ولا تكرههم، طيب القلب، سليم من المكر، رحيم بالناس والحيوان، كثير الثقة، سليم من الحقد والغيظ، سريع النسيان للشر... قد أنعم الله عليك بنعمة لم ينعم بها على غيرك.. ذلك أنك رجل موهوب، وهذه النعمة ترفعك فوق آلاف الآلاف من بني الإنسان، لأن الفنانين في هذه الدنيا لا يزيدون على واحد في كل مليونين. فموهبتك الفنية تميزك من غيرك. ولو أنك كنت ضفدعة أو عنكبوتًا لأجلَّك الناس مع ذلك؛ لأنهم يغتفرون كل شيء للرجل الموهوب.

وليس فيك إلا عيب واحد، هو منشأ كل ما تعانيه من مركز زائف، وشقاء، والتهاب في الأمعاء. ذلك أنك رجل غير مثقف. وأرجو ألا يسوءك هذا، فإن الحب أعظم دعامة للصداقة.

... وأنت ترى أن للحياة ظروفها الخاصة، وأن الإنسان إذا أراد أن يعيش مرتاح البال بين المتعلمين، سعيدًا بينهم، وعلى وئام معهم، فلا بد أن يكون له نصيب من الثقافة. وقد حشرتك مواهبك في زمرتهم، فأصبحت واحدًا منهم، ولكنك... أبعدت عنهم، فأنت تارة داخل دائرة المثقفين وتارة أخرى على أطراف هذه الدائرة.
وأنا أرى أن المثقفين يجب أن تتوافر فيهم الشروط الآتية:

1 - أنهم يعظِّمون الشخصية الإنسانية، ولهذا تراهم دائمًا رحماء، ظرفاء، مؤدبين، على استعداد لأن يكونوا ليني الجانب مع غيرهم من الناس، لا يتنازعون على التافه من الأمور، إذا عاشروا الناس لم يعدوا ذلك تفضلًا منهم، وإذا فارقوهم لم يقولوا لهم: "إن أحدًا لا يستطيع أن يعيش معكم". يعفون عما يصادفهم من الضوضاء والبرد والطعام غير الشهي والنكات، ولا يتألمون لوجود الغرباء في بيوتهم.

2 – وهم لا يخصون بعطفهم المتسولين والقطط  فحسب، وتنفطر قلوبهم مما لا تراه أعينهم... وهم يقومون الليل يفكرون فيما يقدمونه من عون لغيرهم.. أو في أداء الرسوم الجامعية لإخوتهم، أو شراء الملابس لأمهاتهم.

3 – وهم لا يعتدون على ملك غيرهم، ويؤدُّون ما عليهم من ديون.

4 – وهم أوفياء مخلصون، يرهبون الكذب كما يرهبون النار، فلا يكذبون حتى في صغائر الأمور. ذلك أن في الكذب تحقيرًا للسامع لأنه يضعه في منزلة أخطر من منزلة المتكلم. وهم لا يتصنَّعون، فلا يختلف مسلكهم في الطريق عن مسلكهم في البيت، ولا يتباهون بأنفسهم أمام مَن هم أقل منهم درجة من رفاقهم، لا يثرثرون، ولا يفضون بأسرارهم إلى الناس يرغمونهم على الاستماع إليها دون أن يطلبوها، يصمتون أكثر مما يتحدثون رأفة منهم بآذان غيرهم من الناس.

5 – وهم لا يحقرون أنفسهم ليستثيروا شفقة الناس عليهم، ولا يلعبون على أوتار قلوب غيرهم ليرثوا لحالهم ويحسنوا الظن بهم. ولا يقولون قط: "إنّا قد أسيء فهمنا"، أو "إنّا قد أصبحنا في المنزلة الثانية"؛ لأن هذا كله ليس إلا سعيًّا وراء الكسب الرخيص، وهو عمل دنيء، مبتذل، باطل.

6 – وهم بعيدون عن الغرور السخيف، لا يبالون بالعظمة الكاذبة التي ينالونها من وراء معرفة عظيم أو مصافحة سكير، أو الشهرة في الحانات، أو الإصغاء إلى طرب مشاهد ساقته الصدفة إلى معرض للصور.. وإذا عملوا عملًا يستحق أن يجزوا عليه بدرهم لا يختالون به كأنهم عملوا ما يستحقون عليه مئات الدنانير، ولا يفخرون بأنهم يدخلون حيث لا يسمح لغيرهم بالدخول.. إن ذوي المواهب الحقة يحبون أن يبقوا على الدوام بعيدين عن أعين الجماهير، وهم أقل الناس إعلانًا عن أنفسهم.. وقد قال كريلوف: "إن الإناء الفارغ أعلى صوتًا من الإناء المليء".

7 – وإذا كانت لهم موهبة عظَّموها، وضحوا في سبيلها بالراحة وبالنساء والخمر والكبرياء.. وهم يفخرون بموهبتهم ويتأنقون في أعمالهم.

8 – وهم ينمون حاسة الجمال في أنفسهم، ولا ينامون بملابس النهار، ولا يطيقون رؤية الشقوق ملأى بالبق في الجدران، أو تنفس الهواء الفاسد، أو المشي على أرض بصق عليها الناس، أو طهي طعامهم على موقد زيت. وهم يحاولون جهدهم أن يكبحوا جماع غريزتهم الجنسية وأن يسموا بها... وليس الذي يطلبونه من المرأة أن تكون ضجيعتهم... ولا يطلبون ذلك النوع من الحذق الذي يظهر في القدرة على الكذب المستمر. وإذا كانوا فنانين فإن أهم ما يطلبونه في المرأة هو النضارة والرشاقة والإنسانية والقدرة على الأمومة... وهم لا يحتسون الخمر في جميع ساعات النهار والليل، ولا يتشممون الأشياء المخبوءة لأنهم ليسوا خنازير ولأنهم يعلمون أنهم ليسوا كذلك. وهم لا يشربون إلا في المناسبات الخاصة على شريطة ألا يكون لديهم عمل... لأنهم يريدون لأنفسهم عقولًا سليمة في أجسام سليمة.

هذا بعض ما يتصف به المثقفون، فإذا أردت أن تكون مثقفًا، وألا تكون في منزلة أقل من منزلة مَن حولك من الناس فليس يكفيك أن تقرأ رواية بكوك بيبرز أو تحفظ حديثًا من فوست.
إن الذي تحتاجه هو الدأب على العمل بالليل وبالنهار والقراءة المستمرة، والدرس والإرادة القوية... لا تضيع وقتك سدى؛ لأن كل ساعة من ساعات النهار عظيمة القيمة.. تعال إلينا، وحطم زجاجة الفودكا، ولا تنقطع عن القراءة حتى وأنت نائم.. اقرأ ترجنيف إذا شئت فإنك لم تقرأه.

دع الكبرياء جانبًا، فلست طفلًا صغيرًا... وستبلغ الثلاثين بعد قليل.. لقد حان الوقت!

إني في انتظارك.. بل كلنا في انتظارك.


(*) المقال هو نص رسالة أنطون تشيخوف لأخيه نقولاي التي أرسلها له عام 1886.


Random Reads - قراءات عشوائية
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع Random Reads - قراءات عشوائية .

جديد قسم : مختارات

إرسال تعليق