إنكار الموت (*)

تأليف: لويز جليك

ترجمة:  دعاء عبد الحميد ومحمود راضي

 

1ـ مذكرات اﻷسفار:

 

كنت تاركة جواز سفري في نُزُل بقينا فيه ليلة أو بعض ليلة، ولم أُفلح في تذكر اسمه. هكذا بدأ اﻷمر. لم يستقبلني الفندق التالي. فندق جميل في بستان برتقال مع إطلالة على البحر.  يا لعدم اكتراثك في قبول الغرفة التي كانت ستؤول لنا! ويا لمرحك وأنت واقف في الشرفة، قاذفًا إياي بقطع شوكولاتة مُغلفة بالرقائق! في اليوم التالي واصلتَ أنت الرحلة التي كنا سنخوضها معًا.

أحضر لي موظف الاستقبال دثارًا قديمًا.  جلست خارج المطبخ في النهار، وفردت دثاري بين أشجار البرتقال في الليل. كان كل يوم هو ذات اليوم باستثناء الطقس.

بعد بُرهة من الزمن، أشفق عليَّ العاملون. كان مساعد النادل يحضر لي طعامًا من وجبة المساء. حبة بطاطس وحيدة أو قطعة من لحم الضأن. أحيانًا تصل بطاقة بريدية، حاملة على وجهها علامات برَّاقة وأعمال فنية، وجبل يغطيه الجليد ذات مرة. بعد شهر أو نحو ذلك، كان هناك تذييل: فلان يبعث تحياته.

أقول شهر واحد، لكن في الحقيقة لا فكرة لديَّ عن الوقت. اختفى مساعد النادل. وفد مساعد نادل جديد، وتلاه آخر. أظن أنه من آن ﻵخر قد ينضم إليَّ شخص ما فوق دثاري.

أحببت تلك اﻷيام!  كل يوم مثل سابقه.  كانت هناك الدرجات الحجرية التي صعدناها معًا والبلدة الصغيرة التي تناولنا فيها اﻹفطار.  في البُعد البعيد استطعت رؤية الخليج الذي اعتدنا السباحة فيه، ولم أعد أسمع صيحات اﻷطفالﻷ حدهم الآخر بعد اﻵن، ولم أعد أسمعك بعد اﻵن، سائلًا إياي إن كنت أريد شرابًا باردًا، وهو ما رغبت فيه دومًا.

حين انقطعت البطاقات البريدية، قرأت البطاقات القديمة مجددًا. رأيت نفسي واقفة تحت الشرفة عبر أمطار من القبلات المُغلفة بالرقائق، دون قدرة على التصديق أنك ستتخلى عني، متوسلة إليك بالطبع بغير الكلمات.

لاحظت أن موظف الاستقبال يقف بجواري. قال: لا تحزني. لقد بدأتِ رحلتك الشخصية، ليس نحو العالم مثل صديقك، وإنما نحو ذاتك وذكرياتك، ربما ستنالين حين تطايرها خواء مرغوبًا تتدفق فيه كل اﻷشياء مثل الكوب الفارغ في كتاب الطاو.

قال: كل اﻷشياء متغيرة، وكل اﻷشياء مترابطة، وأيضًا كل اﻷشياء عائدة، ولكن ما يعود ليس ما راح.

رأيناك تسير بعيدًا. نازلًا الدرجات الحجرية متجهًا نحو البلدة الصغيرة. شعرت بشيء حقيقي يُقال، ورغم أني فضَّلت قوله بنفسي، فقد سررت على اﻷقل أني سمعته.

 

2ـ حكاية جواز السفر:

 

عاد هو لكنك لم تعد.

هكذا جرى الأمر:

 

ذات يومٍ، وصلني مغلَّفٌ

يحمل طوابع جمهورية أوروبية صغيرة

أعطانيه الكونسيرج في أجواء مراسمية هائلة،

وحاولت أن أتحلى بنفس الروح بينما أفتحه.

 

بداخله كان جواز سفري

فها هو وجهي، أو ما كان وجهي

في مرحلة ما من ماضٍ سحيق

لكنني افترقتُ عنه،

عن هذا الوجه المبتسم بثقة

المسكون بكل ذكريات أسفارنا معًا

وأحلامنا برحلات أخرى

ألقيتُه في البحر.

غرق على الفور.

أسفلًا فأسفل، بينما أواصل التحديق إلى المياه الساكنة.

خلال كل هذا الوقت، كان الكونسيرج يراقبني.

 

"تعالي ". قال متأبطًا ذراعي، وأخذنا

نسير حول البحيرة، كما جرت عادتي اليومية.

 

قال:  أرى أن لا رغبة لديكِ

في استئناف حياتك السابقة..

في أن تتحركي في خط مستقيم كما يملي علينا الزمن، لكنك تفضِّلين (وهنا أشار إلى البحيرة)

أن تتحركي في دائرة، تتوق إلى السكون الموجود في قلب الأشياء

رغم أنني أفضِّل أن أتصوَّر أنها تشبه الساعة.

 

في هذه اللحظة، أخرجَ من جيبه

ساعة اليد الكبيرة التي لم تفارقه أبدًا، وقال لي: أتحداكِ

أن تخمني إن كان اليوم هو الاثنين أو الثلاثاء بالنظر إلى الساعة.

لكنك إن نظرتِ إلى اليد التي تحملها، فسَتَعِين أنني لم أعد شابًّا، شعري أصبح فضيًّا،

ولن تظنيه مفاجئًا أن شعري كان يومًا داكنًا، كما كان شعرُكِ داكنًا

ومجعَّدًا، حسبما أظن.

 

خلال هذه السردية، كان كلانا

يشاهد مجموعة من الأطفال يلعبون في المياه الضحلة؛

كل جسد حوله طارة مطاطية.

 

أحمر وأزرق، أخضر وأصفر؛

قوس قزح من أطفالٍ يخوضون في البحيرة الصافية.

 

كان بإمكاني سماع دقات الساعة،

فيما يُفترض أنه إشارة إلى مرور الوقت

بينما هو في الواقع إبطالٌ له.

 

قال: يجب أن تساءلي نفسك إن كنتِ تخادعينها

وهو ما أقصد به إن كنتِ تنظرين إلى الساعة، وليس إلى اليد التي تحملها.

وقفنا لبرهة من الزمن، محدِّقَين في البحيرة

كلٌّ منا مستغرق في أفكاره الخاصة.

 

قلت: أوليست حياة الفيلسوف تمامًا كما تصفُ؟ يسلك نفس المسلك

منتظرًا أن تكشف الحقيقة عن نفسها؟

 

قال: لكنكِ توقفت عن صُنع الأشياء. وهو ما يفعله الفيلسوف.

أتذكرين كيف احتفظتِ بما أسميتِه مذكرات أسفارك؟ كنت تقرأينها لي

أذكر أنها كانت مفعمة بقصص مختلفة أنواعها

أغلبها قصص حب، وقصص عن الفقدِ

تتخللها تفاصيل ساحرة لن يكون لأغلبنا نصيبٌ منها.

 

ومع ذلك، بالاستماع إليها كنتُ أشعر

وكأنني أستمع إلى تجربتي الذاتية

لكنها تُحكى بجمالٍ

لم أكن لأحكيها بمثله. شعرتُ

وكأنك كنتِ تتحدثين إليَّ أو عني، رغم أنني لم أفارق جانبك.

ماذا كان اسمها؟ مذكرات الأسفار، أظنكِ قلتِ.

رغم أنني أسميتها غالبًا " إنكار الموت"  تيمُّنًا بكتاب إرنست بيكر.

كنت تطلقين عليَّ اسمًا غريبًا، كما أذكر.

 

قلتُ: كونسيرج. كنت أسميك الكونسيرج.

وقبلها، كنت أقول "أنتَ".

وهو، فيما أظن، في عُرف الحكايات.

 

(*) نشر هذا النص في مجلة "باريس ريفيو"  في العام 2018


 


 

Random Reads - قراءات عشوائية
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع Random Reads - قراءات عشوائية .

جديد قسم : تنويعات

إرسال تعليق