ألكسندر ديماس.. يا له من كاتب وقح! (*)
إعداد: محمد خيري الخلَّال

مَن منّا لم يقرأ "الفرسان الثلاثة" و"الكونت دي مونت كريستو" وغيرهما من قصص المغامرات الشائقة؟.. ومَن منّا لا تتوق نفسه إلى معرفة طرَفُ من حياة خالق هذه الروايات، الذي يلمع اسمه في ذاكرة كل صبي، وشاب، وشيخ: "ألكسندر ديماس"؟

وُلِد "دوما ديفي دي لا بيليتيرا" المعروف ﺑ "ألكسندر ديماس" ــ ويُنطَق أيضًا "دوما" أو "دوماس" ــ في قرية فرنسية تقع شمال شرقي باريس، وكان والده مختلط العِرْق؛ من أب فرنسي نبيل، وأم من الرقيق ينحدر أصلها من منطقة الكاريبي.

في شكله كان ديماس يبدو غريبًا.. كان يشبه جدته لأمه كثيرًا؛ فبرغم بشرته البيضاء وعينيه الزرقاء، فإن شفتيه كانتا غليظتين، وأنفه كبيرًا منبعجًا، وشعره رغم صفرته كثًا ملتفًا مثل شعر جدته.. وبينما كان في الرابعة من عُمره تُوفِّي والده من جرَّاء إصابته بالسرطان تاركًا الأسرة رهينة للفقر.

نشأ ألكسندر منذ طفولته الباكرة قوي البنية والعقل والروح المعنوية، ميَّالًا إلى التمرد، وكان شغوفًا بسماع الحكايات وتتبع الأحداث الجارية.. لكنه كان كارهًا للمدرسة والتعليم.. وقد باءت محاولات أمه لتجعل منه عالِمًا أو موسيقيًّا بالفشل.. فألحقته كناسخ بمكتب موثِّق عقود، صديق للعائلة، مستغلة خطه الجميل المنسق.

وفي المكتب المذكور صار الغلام يقرأ أكثر مما يكتب، رغم استياء صاحب العمل؛ فقرأ مؤلفات "فولتير" وغيره من كُتَّاب الثورة.. ثم لم يلبث أن تنبه إلى إغراء قوامه الفارع وابتسامته الجذابة ـ وكان قد بلغ السادسة عشرـ فبدأ يستغل وسامته ليوقع في شباكه الفتيات الجميلات.. فلم يلبث أن صار (دون جوان) البلدة!

ثم شعر بأن مؤهلاته وطموحاته أكبر من أن يضيعها في بلدة مثل بلدته الصغيرة، فقرر الرحيل إلى باريس، متغلبًا على فقره وإيراده الضئيل بعزيمة وإصرار لا يلين.. مُولّيًا وجهه شطر المسرح الفرنسي.. وهناك أُعجب المسئول عن المسرح بحماسه وباركه.. مما شجعه على الشروع في اقتباس رواية "والتر سكوت" الخالدة "إيفانهو" وتحويلها إلى مسرحية.. وحين أتمها طاف بها على الناشرين فلم يقبلها أحد.. وأصاب المصير نفسه مسرحيته الثانية، ثم الثالثة.. ورغم هذا لم يتطرق إلى قلبه اليأس فاستمر ينتج.. ويؤمل.. وينجب من صديقاته أطفالًا غير شرعيين! ويؤلف قصصًا ومسرحيات، محاولًا أن يفرض مواهبه على سمع الناس وبصرهم فرضًا، وينتصر على عناد القراء والناشرين!

وأخيرًا سنحت له الفرصة بفضل إصراره وتفاؤله وظفر بمنتج لمسرحيته الجديدة "هنري الثالث وبلاطه".. وقد حققت المسرحية في ليلة الافتتاح نصرًا باهرًا.. جعلته الملك الجديد للمسرح الباريسي.. وفي العام التالي حققت مسرحيته "كريستين" نجاحًا مماثلًا أعانه على التفرغ للكتابة. وفي عام ١٨٤٠م كتب روايته الشهيرة "الرجل ذو القناع الحديدي"، التي أثارت غضب القيصر الروسي آنَذاك لتناولها أوضاعًا حساسة في روسيا.. وفي الفترة من ١٨٣٩م إلى ١٨٤١م أعاد كتابة إحدى مسرحياته في سلسلة قصصية تحت عنوان "الكابتن بول" نُشرت بإحدى الصحف.. وتتابعت المسرحيات، والانتصارات، ومن ثم.. العشيقات!

وقد أغراه نجاحه الأدبي لدخول معترك السياسة.. فانضم إلى الثائرين في مواجهة اللائحة التي وضعها الملك "شارل العاشر" للحد من حرية الصحافة، والتي أثارت ثائرة المثقفين في باريس.. ولكن الثورة تمخضت عن خيبة أمل.. فزهد ديماس في السياسة، وآثر العودة إلى الميدان الآخر الذي نجح فيه: ميدان الأدب.. فكتب مسرحية "أنطوني" فهتفت باريس كلها لحبكتها ومواقفها المكشوفة التي تعالج الرذيلة بصراحة تامة.. وبلغت الحماسة بالمتفرجات في الليلة الأولى حد تمزيق سترة المؤلف، تحية وإعجابًا.. وهن يتهامسن: ما أوقحه من مؤلف.. وما أمتعه من شاب!

وظل يشتهي مُتع الأرض ويرفض أن يستبدل بها وعود السماء.. فهو يُؤثر أن يظل زنديقًا على أن يدفع الثمن في الآخرة.. يسامر الرجال، ويغوي زوجاتهم، ويكتب مسرحياته، ويستمتع بالمجد، ويواجه فشله وانتصاراته بعدم مبالاة.. فيتلقى ثناء النقاد بهزة من الكتف، وانتقاداتهم وإهاناتهم.. بابتسامة!

كان ديماس شرهًا يحب الأكل الجيد.. وكانت شهرته بكفاءته في خلط الصلصة أو شي بطة كشهرته في كتابة القصة!.. كان في مقدوره أن يستهلك في وجبة واحدة عددًا من الأطعمة المختلفة المحتوية على اللحوم والكافيار، مع ستة أنواع من الخضروات يختمها جميعًا بكميات كبيرة من الجبن.. ومع ذلك إذا كان منهمكًا في الكتابة فإنه لم يكن يأبه للطعام.. بل كان أحيانًا ينسى أن يأكل على الاطلاق!

وكان يحب أن يزهو بأن له أكثر من طفل غير شرعي!.. وبالرغم من بدانته وقبح مظهره فقد كانت له مع النساء غزوات وغزوات!.. وفي عام 1832م حدث ما لا يتوقعه أحد... فقد قابل "إيدا فيرييه" الممثلة الموهوبة التي وقفت لأول مرة على خشبة المسرح لتمثيل مسرحيته المسماه: "تيريز"، وكانت عشيقته في البداية، ثم قرر فجأة أن يتزوجها .. وأسلم نفسه للحياة المنزلية وقَبِل أن يُقيد بالأغلال.. ولكن هيهات .. فطالما كان يترك زوجته ليغامر خارج المنزل.. وكان يسمح لزوجته في سماحة أن تبحث هي أيضًا عن مغامراتها الشخصية في المنزل.. إذ كان شعاره: عش.. ودع غيرك يعش!

وهكذا عاش يبحث دائمًا عن ملذات جديدة، وغراميات جديدة، وتهليل جديد من الجماهير.. لكنه بدأ يمل نجاحه كمؤلف للمسرح، وكانت نيران الثورات قد أُخمدت في شتى البلاد.. فكان لا بد لنشاطه الخارق أن يجد لنفسه متنفسًا جديدًا.. ففكر أن يطرق باب تأليف القصص التاريخية.. إنه سوف يبعث الماضي الميت إلى الحياة مرة أخرى.. وإذا كان "والتر سكوت" ملك المغامرات القصصية قد مات.. فليحيى الملك الجديد ألكسندر ديماس!

وعكف على روايتة الأولى "الفرسان الثلاثة" يخلق وقائعها الشائقة ويمزج فيها التاريخ بالغرام مزجًا رائعًا، وساعده في تحقيق ذلك عدد من المساعدين، أهمهم شاب نابه يدعى "أوجست ماكيه"، كان متخصصًا في الدراسات التاريخية.. وكان مبدأ ديماس في أبحاثه أن يتحرى الدقة في أحداث التاريخ الهامة دون وقائعه الثانوية التافهة.. واستباح العدوان على حرمة التاريخ بشرط أن ينجب منه طفلًا، على حد تعبيره!

وجعل يعمل في قصته لا يدركه التعب.. من السابعة صباحًا حتى السابعة مساء.. مرتديًا قميصًا بلا أكمام مفتوح العنق، وإلى جانبه وجبة غداء لم يمسسها في الأغلب.. وإذا تصادف أن مر به زائر في ساعات العمل، لوح له بيده اليسرى محييًا، بينما اليد الأخرى ماضية في الكتابة.. كان يعمل دائمًا في احتشاد هائل.. لكنه احتشاد اللاعب.. فهو يعيش مع أشخاصه ويحدثهم ويمازحهم، وقد جاء رجل من الإنجليز ذات مرة لزيارته فسمع ضحكة تنفجر من مكتبه فقال للخادم: سأنتظر حتى يكون سيدك بمفرده.. فأجاب الخادم إن سيدي بمفرده.. وإنما يضحك من فكاهة حلوة سمعها من شخص في روايته!.. كان يعيش مع أشخاصه نهارًا ومع إخوانه ليلًا،  فإذا سأله الناس كيف استطاع أن يشعر بالمرح والنشاط بعد كده اليومي، أجاب بأن محصوله اليومي لم يكن كدًّا على الإطلاق: إني لا أؤلف رواياتي، بل أنها تؤلف نفسها في داخلي!

وكان يكتب أحيانًا خمس روايات في وقت واحد، تظهر يومًا بعد يوم في الصحف على حلقات متتابعة.. ولم يكن عنده وقت ليقرأ قصصه، ولكن كان يملك الوقت للمبارزة عشرين مرة بالسيف أو المسدس!.. وقد أنتج الكثير من المؤلفات؛ فقد كتب أكثر من مائة مسرحية، وكانت قصصه من الكثرة بحيث ضمتها العديد من المجلدات.. ويقال أنه كتب ضعف مؤلفات "برنارد شو" و"ستيفنسون" و"ويلز" و"كيبلنج" مجتمعة.. وقد ربح ديماس أكثر بكثير من أي كاتب في عصره.

كان له مزاج مرهف إلى أبعد حد في نوع الورق والأقلام التي يستعملها: فمثلًا كان لا يكتب القصص إلا على ورق أزرق فقط، وبنوع خاص من الأقلام.. فإذا كان يكتب شعرًا استعمل ورقًا أصفر ونوعًا آخر من الأقلام.. وإذا كتب مقالًا لجريدة لم يكن في استطاعته أن يستعمل سوى ورق الكتابة الوردي اللون.. ومهما كانت الظروف فإنه لم يستعمل الحبر الأزرق مطلقًا؛ فقد كان يصيبه بدوار!.. ولم يكن يستطيع أن يؤلف مسرحية وهو جالس إلى مكتبه.. فلكي يكتب مسرحية كان عليه أن يضجع على كنبة وتحت مرفقه وسادة لينة جميلة!

وإلى جانب موهبة الخلق النادرة الغامضة، كان يملك موهبة الصداقة الأشد ندرة وغموضًا!.. كان بيته وقلبه مفتوحين أبدًا للناس.. كان بيته دائمًا يغض بالضيوف الذين لا يعرف أغلبهم.. يأتو من غير دعوة، ورغم ذلك كان يرحب بهم .. وكانت ساعة الغداء بمنزله تمتد من منتصف الساعة الثانية عشرة إلى منتصف الخامسة.

وحين كان يجد فراغًا لمسامرتهم، كان ينتقل بينهم مُرحبًا في بساطة وانشراح، بالمدعوين منهم والذين أتوا منهم بغير دعوة على السواء!.. وكان كرمه أشبه ببئر عميق لا قرار له، يلقي فيه بكل إيراده.. فظل دائمًا غارقًا في الديون، وكان المُحضِر من أكثر زواره انتظامًا!

ورغم أنه أَثْرى إثراءً كبيرًا مع تحقيق مؤلَّفاته شهرة بالغة، لكن إسرافه وضعه على شفا الإفلاس مرات عدة، حتى إنه فرَّ من دائنيه عام ١٨٥١م إلى بلجيكا، ومنها إلى روسيا التي أقام فيها عامين، وحظيت أعماله هناك بشعبية كبيرة في ظل كون الفرنسية لغة ثانية للبلاد.. ثم انتقل إلى إيطاليا عامَ ١٨٦١م حيث مكث فيها ثلاث سنوات، ونشر كتبًا عن تلك الرحلة بعد عودته إلى باريس.

وبينما كان جيب ديماس فارغًا على الدوام، كان مجده يرتفع بسرعة وانتظام.. وبعد أن كان يُخرج من التاريخ قصصًا، صار يخلق من القصص تاريخًا!.. ومنذ أصدر قصته الخالدة الحية بالشخصيات "الكونت دي مونت كريستو"ـ بمعاونة مساعده ماكيه ـ صار أدلاء مدينة مرسيليا يرشدون السياح إلى البيوت التي عاش فيها "إدموند دانت" والأب "فاريا" سنوات طويلة من عمريها، في سجن قصر "إيف".. فقد خلق ديماس من الضباب والبخار مباني ومساكن صلبة وأشخاص أحياء!

وتوالت روائعه مثل "الزنبقة السوداء" و"قلادة الملكة"، وغيرها الكثير، وجدير بالذكر أن روايته الأخيرة "فارس سانت هيرمين" التي لم يكملها بسبب وفاته.. قد تمكن أحد الباحثين من إكمالها لتنشر بالفرنسية في العام 2005م، ثم بعد ذلك باللغة الإنجليزية تحت عنوان "الفارس الأخير".

وقد اتهمه أعداؤه بأنه كان يدير (مصنع للقصص)!.. والحقيقة أنه كان يكلف ماكيه ومساعديه الآخرين بجمع الوقائع الجامدة لقصصه، ثم يتناول الوقائع فينفخ فيها نار الخيال وأنفاس الحياة!
فلم يكن ديماس يهدف إلى الخلق، بل كان يهدف إلى الإمتاع.. فمن المهم فيما قال أن يكتب في روح مستمتعة حتى يحيا أشخاصه مسرورين.. ما قيمة أي فن ما لم يبعث الناس على المرح؟

لم يدع ديماس الشعر والعلم وإنما كان يهدف إلى البراعة في القصة.. فلما قال له أحد ظرفاء النقد إنك تكتب عن أحداث لا علم لك بها البتة.. رد عليه ديماس بقوله: لو أني أدرس الأحداث فأنَّى لي الوقت اللازم لكتابتها؟!

في تلك الأثناء كان ابنه قد أصدر قصته الخالدة "غادة الكاميليا" فظفرت بنجاح ورواج فاقا أقصى ما حظى به الأب طيلة حياته.. ومنذ ذلك التاريخ، أخذ الأب والابن يتنافسان، وكلاهما يحاول التفوق على الآخر، وفي الوقت نفسه كان كلاهما يحب الآخر إلى درجة العبادة!.. فقال الأب في إحدى المرات وهو يمزح: لقد ربيت ولدًا.. تكشَّف لي في النهاية عن أفعى!.. ورد الابن التحية قائلًا: وأنا ربيت أبًا.. تكشف لي في النهاية عن طفل!

وقد ظل هذا الطفل حتى النهاية شغوفًا بالمغامرات، والضحك، والجرأة التي لا تقف في طريقها عقبة!.. فبالرغم من تقدمه في السن، واكتناز جسمه باللحم، بقى ذهنه ثائرًا كالعهد به.. وكان نشاطه القلق دائم السعي إلى التعبير عن نفسه تعبيرًا عمليًا.. فلم يجد إلى الراحة سبيلًا، ولم يكن يسمع بثورة تنشب في مكان حتى يلقي بنفسه في دوامتها!.. وهكذا ظلت قوته الخارقة ونشاطه العجيب قابلين دائمًا لأن يُترجما إلى حركة من أي نوع.

وأخيرًا، في سن الثامنة والستين ألقى قلمه جانبًا ليستريح.. لا لأنه تعب من مغامراته، بل لأنه كان يبحث عن تجربة جديدة!.. ففي يوم 5 ديسمبر سنة 1870 توجه ديماس إلى منزل ابنه قائلًا له: لقد جئت إليك يا ابني.. كي أموت!

ومنذ تلك اللحظة لاذ بالصمت!.. وكلما كان أصدقاؤه يهزون رؤوسهم في أسى ويقولون إن ديماس قد انهار وأصابه الانحلال.. كان ابنه يجيبهم: إن عقلًا مثل عقل أبي لا يمكن أن يصاب بالانحلال.. ولئن رفض أن يكلمنا بلغة الدنيا.. فلأن ذهنه مشغول بتعلم لغة الخلود!

وتوِّفيَ ألكسندر ديماس بفرنسا عامَ ١٨٧٠م مُخلِّفًا وراءه إرثًا ثمينًا من القصص الملحمية ذات الطابع التاريخي المليء بالإثارة والمغامرة، أشهرها: "الفرسان الثلاثة"، "بعد عشرين عامًا"، "الملكة مارجو"، "الحرَّاس الخمسة والأربعون"، "قائد الذئاب"، "شقاء الغرام"… وغيرها.

(*)(*)بتصرف من: اسكندر ديماس وأعلام آخرين لـ(حلمي مراد)، أعلام الفن القصصي لـ(هنري توماس ودانالي توماس، ترجمة: عثمان نويّة ومحمد بدران)، ألكسندر دوماس: الكاتب الدنجوان والفارس المغامر لـ(أحمد الديب، موقع إضاءات)، موقع مؤسسة هنداوي.















Random Reads - قراءات عشوائية
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع Random Reads - قراءات عشوائية .

جديد قسم : مختارات

إرسال تعليق